مروان وحيد شعبان
257
الإعجاز القرآني في ضوء الإكتشاف العلمي الحديث
يسبح ويتحرك حركة دائبة مستمرة ، ونظرة في تفاسير العلماء حول هذه الآيات لنرى الاستنباطات أو الفهم الذي استلهموه منها . يقول الإمام الرازي : ( إذا كان كُلِّ بمعنى كل واحد منهم ، والمذكور الشمس والقمر فكيف قال : يُسَبِّحُونَ ؟ نقول الجواب عنه من وجوه أحدها : ما بينا أن قوله : كُلِّ للعموم ، فكأنه أخبر عن كل كوكب في السماء سيار ، ثانيها : أن لفظ : كُلِّ يجوز أن يوحد نظرا إلى كونه لفظا موحدا غير مثنى ولا مجموع ، ويجوز أن يجمع لكون معناه جمعا ، وأما التثنية فلا يدل عليها اللفظ ولا المعنى ، ثالثها : لمّا قال : وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ والمراد ما في الليل من الكواكب قال : يُسَبِّحُونَ ، والمسألة الثالثة : الفلك ما ذا ؟ نقول : الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة ، لأن أهل اللغة اتفقوا على أن فلكة المغزل سميت فلكة لاستدارتها . . . ولكل كوكب فلك لاختلاف سيرها بالسرعة والبطء والممر ، فإن بعضها يمر في دائرة وبعضها في دائرة أخرى ، حتى في بعض الأوقات يمر بعضها ببعض ولا يكسفه وفي بعض الأوقات يكسفه ، فلكل كوكب فلك ، ثم إن أهل الهيئة قالوا : كل فلك هو جسم كرة ، وذلك غير لازم ، بل اللازم أن نقول : لكل فلك هو كرة أو صفحة أو دائرة يفعلها الكوكب بحركته ، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ والظاهر أن حركة الكواكب على هذا الوجه ، وأرباب الهيئة أنكروا ذلك وقالوا : لا تجوز الحركة على هذا الوجه ، لأن الكوكب له جرم فإذا شق السماء وتحرك فإما أن يكون موضع دورانه ينشق ويلتئم ، كالماء تحركه السمكة أو لا ينشق ولا يلتئم ، بل هناك خلاء يدور الكوكب فيه ، لكن الخلاء محال والسماء لا تقبل الشق والالتئام ) « 1 » . وفي « روح المعاني » : ( جعل اللّه تعالى السماوات ساكنة ، وخلق فيها سبحانه نجوما ، وجعل لها في عالم سيرها وسباحتها في هذه السماوات حركات مقدرة لا تزيد ولا تنقص ، وجعلها عاقلة سامعة مطيعة ، وأوحى في كل سماء أمرها ، ثم أنه عز وجلّ لما جعل السباحة للنجوم في هذه السماوات حدثت لسيرها طرق لكل كوكب طريق ، وهو قوله تعالى : وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ « 2 » فسميت تلك الطرق أفلاكا ، فالأفلاك تحدث بحدوث سير الكواكب ، وهي سريعة السير في جرم السماء الذي هو مساحتها ، فتخرق الهواء
--> ( 1 ) التفسير الكبير ، فخر الدين الرازي ، 26 / 285 . ( 2 ) سورة الذاريات ، الآية : 7 .